صديق الحسيني القنوجي البخاري

347

فتح البيان في مقاصد القرآن

نكال أو هو مصدر لفعل محذوف أي أخذه اللّه فنكله نكال الآخرة والأولى ، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة ، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على أنه مفعول له أي أخذه اللّه لأجل نكال ، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض أي بنكال ، ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد ، قال لأن معنى أخذه اللّه نكل اللّه به فأخرج من معناه لا من لفظه . وقال الفراء أي أخذه اللّه أخذا نكالا أي للنكال ، والنكال اسم لما جعل نكالا للغير أي عقوبة له ، يقال نكل فلان بفلان إذا عاقبه وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، والنكل القيد ، والمراد بنكال الآخرة عذاب النار ، ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق ، وقال مجاهد عذاب أول عمره وآخره ، وقال قتادة : الآخرة قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى والأولى تكذيبه لموسى ، وقيل الآخرة قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى والأولى قوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] قاله ابن عباس وكان بين الكلمتين أربعون سنة ، قاله ابن عمرو . إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به لَعِبْرَةً عظيمة لِمَنْ شأنه أن يَخْشى اللّه ويتقيه ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه . أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ أي أخلقكم بعد الموت وبعثكم أشد عندكم وفي تقديركم أم خلق السماء ، والخطاب لكفار مكة والمقصود به التوبيخ لهم والتبكيت لأن من قدر على خلق السماء التي لها هذا الجرم العظيم ، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بيّن للناظرين ، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة ، ومثل هذا قوله سبحانه : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] وقوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] . ثم بيّن سبحانه كيفية خلق السماء فقال : بَناها أي جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض رَفَعَ سَمْكَها أي أعلاه في الهواء ، وهذا بيان للبناء ، أو جعل مقدار ذهابها وارتفاعها في سمت العلو رفيعا مسيرة خمسمائة عام ، يقال سمكت الشيء أي رفعته في الهواء وسمك الشيء سموكا ارتفع قال الفراء كل شيء حمل شيئا من البناء أو غيره فهو سمك ، وبناء مسموك وسنام سامك أي عال والسموكات السماوات . وقال ابن جزي : السمك غلظ السماء وهو الارتفاع الذي بين السطح السفلي الأسفل الذي يلينا ، وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها ، قال البغوي : رفع سمكها أي سقفها ولينظر ما المراد بسقفها ، ويمكن أن يقال سقف كل سماء هو السماء التي فوقها كما أن السماء الدنيا سقف للأرض تأمل .